الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.
أيها الناس:
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان تكثر الخيانة
كما في الصحيحين عن عمران رضي الله عنه وأرضاه: «قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ».
وفي المسند وهو في الجامع الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» قالوا: ومن الرويبضة؟ قال: «الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ النَّاسِ» أو قال العامة؛ يعني فيما لا يعنيه ولا يقدر عليه، وقد جاء بلفظ التافه يتكلم في أمر العامة. وهكذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام لمن سأله متى الساعة؟ قال: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قال: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرهم عن رفع الأمانة حتى إن الناس يصبحون يتبايعون لا يكاد يوجد فيهم الرجل الأمين، حتى يقال: إن في مكان كذا وكذا رجلاً أميناً، الأمناء يؤدون على الأصابع لانتشار الخيانة في أوساط الناس.
ألا وإن الخيانة من علامات وأمارات النفاق، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا» وذكر منها أنه: «إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
وهكذا بيّن الله عز وجل أنواع الخيانات في كتابه الكريم وبيّنها رسوله عليه الصلاة والسلام.
فمن أعظمها وأخطرها خيانة الله عز وجل وخيانة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ فخيانة الله بمعصيته والعمل بما يغضبه جل في علاه. الله أمدَّ والله أعطى والله أنعم، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، فيعطي الله الولد ويعطي الله المال ويعطي الله المسكن والسمع والبصر والعافية والعقل، ثم يصرفها المنعم عليه فيما يغضب الله عز وجل.
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ اتَّخَذَ عَبْداً فَقَالَ: هَذَا مَالِي وَهَذِهِ دَارِي، فَاعْمَلْ فِي مَالِي وَأَدِّ إِلَى دَارِي، فَإِذَا بِهِ يَعْمَلُ فِي مَالِي وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ دَارِي، أَيُّكُمْ يُرِيدُ -أَوْ يُحِبُّ- أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟».
هذه خيانة عظيمة ينعم الله جل وعلا على العبد بالنعم المتواترة والنعم المتكاثرة في الليل والنهار، صحةً تتتابع عليه، ثم هو يصرفها فيما يغضب الله؛ يسمع الحرام ويتكلم بالفحش ويتتبع الموبقات ولا يكاد يعمل بما يرضي الله إلا قليلاً، يشوب الخير بالشر والإيمان بالنفاق والعياذ بالله؛ هذه خيانة عظيمة. وخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك؛ صبر وصابر ودعا عليه الصلاة والسلام ليلاً ونهاراً وعلّم وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم يتبع الخائن غير رسول الله عليه الصلاة والسلام في صلاته وفي عباداته وفي معاملاته وفي أقواله وأفعاله وتصرفاته وسائر شؤونه إلا ما ندر، هذه خيانة، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ}.
قال الله عز وجل في كتابه الكريم: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}. روى البخاري في صحيحه عن عمرو رضي الله عنه وأرضاه قال: كان الصيام أولاً لما فُرِض لا يجوز للصائم أن يأتي أهله رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}؛ أي حدَّثوا أنفسهم بالمعصية سواء بالجماع أو بالطعام والشراب، {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الآية.
وهكذا من أعظم أنواع الخيانة خيانة الأمانات خاصِّها وعامِّها كما في الآية المتلوة، قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، فلا يجوز خيانة الأمانة الخاصة سواء كانت في البياعات أو الإجارات أو الودائع أو الرهان أو غير ذلك ولو عوداً من أراك، والله عز وجل يقول: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قَالَ اللَّهُ عز وجل: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ...». وهكذا الخيانة في البيع والشراء والتدليس والغش والغبن وغير ذلك من أنواع الخيانات التي تكون بين الناس مما حرم الله عز وجل.
وهكذا من أنواع الخيانة الخطيرة الخيانة للآباء والأمهات بعقوقهما والإساءة إليهما، والله عز وجل قد عظم شأنهما في كتابه الكريم فقرن حقهما بحقه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وقرن شكرهما بشكره: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين قرين الشرك فقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قالوا: بلى، قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». فكم من رجل يخون والديه إذا اشتد ساعده ونمى شاربه، فيسير إلى والديه ويعقهما ولا يعرف حقهما وتَعَبَهما وسَهَرهما وبكاءهما وما لاقياه حتى اشتد ساعده والله المستعان.
ومن أشد أنواع الخيانة الخيانة الزوجية، ويظن كثير من الناس أن الخيانة الزوجية إنما هي في الفراش، لا؛ الخيانة الزوجية أنواع ومن أعظمها الخيانة في الدين، وقد قال الله عز وجل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}؛ أي في الدين بعدم الاتباع لما جاءا به من الهدى والنور والمعاونة والمؤازرة والمناصرة على ذلك. وبالصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ». قال العلماء: خيانتها عدم النصح في موضوع الشجرة، وإلا فموضوع الفراش لم يحصل الخيانة فيه من امرأة نبي قط بالنص وإجماع أهل العلم، قال الله عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}.
وهكذا الخيانة في الفراش من ذلك، والله عز وجل قد ذكر النوعين في القرآن؛ فالأول كما سمعت، والثاني في قول امرأة العزيز: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ} -أي العزيز- {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}؛ أي الخيانة الكبرى على أحد أقوال أهل العلم بالتفسير في الآية.
فلا يجوز للزوج أن يخون زوجته بعدم عنايته بها في دينها، بل يجب عليه أن يعينها في دينها بإقامة فرائض الله وتعليمها من القرآن وحملها على المبرات والأعمال الصالحات وترغيبها في جمع الحسنات. وهكذا الزوجة تعتني بزوجها فتعينه على الخير وتحضه عليه وترشده إليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وإلا كانت خيانة بين الزوجين. وهكذا في الفراش لا يتطلع إلى الحرام وعنده امرأة يريد أن يعفها، ولا تتطلع إلى الحرام وإلى الرجال فتخونه خيانة عظيمة.
ومن أنواع الخيانة خيانة الرفيق والصديق فإنها عظيمة من العظائم، وقد قال عليه الصلاة والسلام في دعائه العظيم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ». صديقك وخليلك ينتظر منك الإحسان وستر العيوب والإعانة على البر والتقوى، فإذا بالخليل والصديق يكون على الضد من ذلك والعياذ بالله. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوْجٍ تُشِيبُنِي قَبْلَ الْمَشِيبِ، وَمِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ رَبّاً، وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ عَلَيَّ عَذَاباً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ سَوْءٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ خَلِيلٍ مَاكِرٍ...» «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ خَلِيلٍ مَاكِرٍ عَيْنُهُ تَرَانِي، وَقَلْبُهُ يَرْعَانِي، إِذَا رَأَى خَيْراً دَفَنَهُ، وَإِذَا رَأَى سُوءاً أَعْلَنَهُ». وإذاؤه هذا خليل خائن، نعوذ بالله من الخلائل الخوانة.
ومن أنواع الخيانة خيانة الأولاد بعدم العناية بهم وتربيتهم التربية الإيمانية الإسلامية الصحيحة؛ فإنهم أمانة في أعناق الآباء وفي أعناق المعلمين وفي أعناق المجتمع، يجب العناية بهم فإنهم عماد المستقبل بإذن الله عز وجل. يجب العناية بالأبناء وتربيتهم التربية الصحيحة الصالحة على الأخلاق والآداب والشيم والأمور الحسنة، وإبعادهم عن سباسب الأمور ومساوئ الأخلاق نعوذ بالله من ذلك، وإلا كانت من الخيانة العظيمة التي وعد الله عز وجل عليها بالنار: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
وهكذا من أنواع الخيانة الخيانة في البياعات وفي أنواع المعاملات؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالصدق ونهى عن الخيانة: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ... فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
..................
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد أيها الناس من أعظم الخيانة خيانة العهود والمواثيق، وهي من أبرز سمات اليهود لعنهم الله؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام واثقهم وعاهدهم فكانوا ينقضون العهود ويخونون المواثيق، وقاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك في بني قينقاع وفي بني النضير وفي قريظة وفي خيبر، ولا يفتأون ولا يزالون يخونون المسلمين ويخونون الوعود والمواثيق مرة بعد المرة حتى أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر، ثم إنه أبقاهم للعمل وأجلاهم عمر بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا لا يجوز لمسلم أن يخون العهد والميثاق، فإذا عاهد ووافق العقود يجب الوفاء بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}؛ فمتى ما عاهد المسلم مسلماً أو مسلمة فيجب عليه أن يفي له وأن لا يخونه في ذلك العقد في أي باب من أبواب المعاملات بل يكون عند المسؤولية التي توجهت نحوه.
وهكذا من أنواع الخيانة الخطيرة خيانة ولي الأمر وخيانة البيعة والسمع والطاعة التي أوجبها الله عز وجل لولي أمر المسلمين؛ حتى تسير أمور الناس على خير وأمن وأمان، وأمور يحبونها وأمور حسنة طيبة؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالسمع والطاعة وكان يأخذ البيعة على ذلك ولو كان ذمة أثرة يجدونها عليهم. ألا وإن الخيانة في هذا الباب من شأن أهل الأهواء والبدع، ومن أغلبهم الرافضة وبعدهم الخوارج، وهكذا يليهم أصناف كثيرة من أهل البدع والأهواء تراهم يخرجون على أولياء أمورهم.
وهذا من شأن المنافقين الذين أخبرنا الله عز وجل في كتابه؛ فإنهم يوم أحد خانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن كثير في الفصول: فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد المشاورة في ألف من المسلمين حتى إذا ناصف الطريق رجع ابن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين بثلث الجيش، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهما يؤنبهم ويدعوهم وينصحهم أن يرجعوا إلى جيش المسلمين وقتال أعداء الله وقتال أعداء رسول الله وقتال أعداء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، قالوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَّاتَّبَعْنَاكُمْ}، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۚ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ}.
وهكذا في يوم الأحزاب كانت لهم الراية السوداء وحازوا بالعيب الأسود، حيث طائفة منهم قالوا: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}، وطائفة يستأذنون النبي يقولون: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً}. فالمنافقون ليسوا تحت راية أهل الإسلام في قديم الزمان ولا حديثه ضد أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والرافضة إلا ما رحم ربي. وقد أمر الله عز وجل باجتناب الخائنين وتركهم وخوضهم ولعبهم وإلا كان منهم درهم وما يفترون، ونهى الله عز وجل عن المجادلة والمخاصمة عن الخائنين فقال سبحانه: {وَلَا تَكُن لِّخَائِنِينَ خَصِيماً}، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}، و{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.
هذه نصيحة مهمة في أمر الخيانة لعلها تجد قلوباً صاغية وآذاناً واعية، فيعود كثير من المسلمين إلى رشدهم ويستعينوا بربهم جل وعلا على القيام بالأمانات: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى القيام بالأمانة على أحسن وجه وأتم حال، نعوذ بالله من الخيانة فإنها بئست البطانة. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة. اللهم من أراد بنا وبديننا وخيراتنا وأخوتنا سوءاً فاجعل السوء يحيط به من كل جانب واجعل تدبيره تدميراً عليه يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.